ابن سعد

67

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

أَضَنُّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تَدَعَهُ فَيَكُونَ فِي أَخْوَالِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَقْدَمُ عَلَيْكَ إِلَى مَا هَهُنَا رَاغِبًا فِيكَ . فَقَالَ الْمُطَّلِبُ : يَا أَبَا أَوْسٍ مَا كُنْتُ لأَدَعَهُ هُنَاكَ وَيَتْرُكُ مَآثِرَ قَوْمِهِ وَسِطَتَهُ وَنَسَبَهُ وَشَرَفَهُ فِي قَوْمِهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ . فَخَرَجَ الْمُطَّلِبُ فَوَرَدَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي نَاحِيَةٍ وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَهُ يَرْمِي فِي فَتَيَانٍ مِنْ أَخْوَالِهِ . فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَ شِبْهَ أَبِيهِ فِيهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَكَسَاهُ حُلَّةً يَمَانِيَةً وَأَنْشَأَ يَقُولُ : عَرَفْتُ شَيْبَةَ وَالنَّجَّارُ قَدْ حَفَلَتْ . . . أَبْنَاؤُهَا حَوْلَهُ بِالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ عَرَفْتُ أَجْلادَهُ مِنَّا وَشِيمَتَهُ . . . فَفَاضَ مِنِّي عَلَيْهِ وَابِلٌ سَبَلُ فَأَرْسَلَتْ سَلْمَى إِلَى الْمُطَّلِبِ فَدَعَتْهُ إِلَى النُّزُولِ عَلَيْهَا . فَقَالَ : شَأْنِي أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ . مَا أُرِيدُ أَنْ أَحُلَّ عُقْدَةً حَتَّى أَقْبِضَ ابْنَ أَخِي وَأَلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ . فَقَالَتْ : لَسْتُ بِمُرْسِلَتِهِ مَعَكَ . وَغَلَّظَتْ عَلَيْهِ . فَقَالَ الْمُطَّلِبُ : لا تَفْعَلِي فَإِنِّي غَيْرُ مُنْصَرَفٍ حَتَّى أَخْرُجَ بِهِ مَعِي . ابْنُ أَخِي قَدْ بَلَغَ وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ شَرُفَ قَوْمُنَا . وَالْمُقَامُ بِبَلَدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمُقَامِ هَهُنَا وَهُوَ ابْنُكِ حَيْثُ كَانَ . فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ اسْتَنْظَرَتْهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ . وَتَحَوَّلَ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَ عِنْدَهُمْ فَأَقَامَ ثَلاثًا ثُمَّ احْتَمَلَهُ وَانْطَلَقَا جَمِيعًا . فَأَنْشَأَ الْمُطَّلِبُ يَقُولُ كَمَا أَنْشَدَنِي هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ : أَبْلِغْ بَنِي النَّجَّارِ إِنْ جِئْتُهُمْ . . . أَنِّي مِنْهُمْ وَابْنُهُمْ وَالْخَمِيسِ رَأَيْتُهُمْ قَوْمًا إِذَا جِئْتُهُمْ . . . هَوَوْا لِقَائِي وَأَحَبُّوا حَسِيسِي ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ . قَالَ : وَدَخَلَ بِهِ الْمُطَّلِبُ مَكَّةَ ظُهْرًا . فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ . فَقَالَ : وَيْحَكُمْ ! إِنَّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي شَيْبَةُ بْنُ عَمْرٍو . فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : ابْنُهُ لَعَمْرِي ! فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَدْرَكَ . وَخَرَجَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ تَاجِرًا إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ فَهَلَكَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ . فَوَلِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ بَعْدَهُ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ بِيَدِهِ يُطْعِمُ الْحَاجَّ وَيَسْقِيهِمْ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِمَكَّةَ . فَلَمَّا سُقِيَ زَمْزَمَ تَرَكَ السَّقْيَ فِي الْحِيَاضِ بِمَكَّةَ وَسَقَاهُمْ مِنْ زَمْزَمَ حِينَ حَفَرَهَا . وَكَانَ يَحْمِلُ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ إِلَى عَرَفَةَ فَيَسْقِيهِمْ . وَكَانَتْ زَمْزَمُ سُقْيَا مِنَ اللَّهِ . أُتِيَ فِي الْمَنَامِ مَرَّاتٍ فَأُمِرَ بِحَفْرِهَا وَوُصِفَ لَهُ مَوْضِعُهَا فَقِيلَ لَهُ : احْفُرْ طَيْبَةَ . قَالَ : وَمَا طَيْبَةُ ؟ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَاهُ فَقَالَ : احْفُرْ بَرَّةَ . قَالَ : وَمَا بَرَّةُ ؟ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَاهُ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَضْجَعِهِ ذَلِكَ فَقَالَ : احْفُرِ الْمَضْنُونَةَ . قَالَ : وَمَا الْمَضْنُونَةُ ؟ أَبِنْ لِي مَا تَقُولُ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَاهُ فَقَالَ : احْفُرْ زَمْزَمَ . قَالَ : وَمَا زَمْزَمُ ؟ قَالَ : لا تُنْزَحُ وَلا تُذَمُّ .